محمد جواد مغنية
194
في ظلال نهج البلاغة
يعمي ويصم عن الحق والواقع ( وشفاء مرض أجسادكم ) . لأن التقوى تلزم بتعاليم الاسلام أيا كان نوعها ، والاسلام ينهى عن التخمة لأنها رأس كل داء ، ويأمر بالحمية لأنها أصل كل دواء ( وصلاح فساد - إلى - أبصاركم ) عطف تفسير على دواء داء قلوبكم ، وبصر عمى أفئدتكم ( وأمن فزع جأشكم ) . التقوى أمان من غضب اللَّه وعذابه . ( وضياء سواد ظلمتكم ) . المتقي ينظر إلى نفسه بعين الصدق والواقع لا بعين الغرور والجهل المركب ، ويلوم نفسه قبل أن يلوم الآخرين ، ويرى منهم أحسن الصفات ، ومن نفسه أصغر السيئات ، ويعترف بأخطائه ويحاول تفاديها ، وينسى ويغفر ، ولا يهرب من الواقع بالمكر والخداع ( فاجعلوا طاعة اللَّه شعارا - إلى - أضلاعكم ) الدثار ظاهر ، والمراد بالشعار والدخيل واللطيف بين الأضلاع - الخفي المستور ، والمعنى اجعلوا طاعة اللَّه في السرائر لا في المظاهر ، وفي الأفعال لا في الأقوال . ( وأميرا فوق أموركم ) . أصدروا في أفعالكم عن طاعة اللَّه ومرضاته لا عن المصالح والمطالب الشخصية ( ومنهلا لحين ورودكم ) . طاعة اللَّه هي المنهل العذب يوم القيامة أي تؤدي اليه ( وشفيعا لدرك طلبتكم ) . أبدا لا شفاعة عند اللَّه إلا التقوى والطاعة ( وجنة ليوم فزعكم ) طاعة اللَّه وقاية من عذابه يوم القيامة ( ومصابيح لبطون قبوركم ) . العبد الصالح يستضيء في قبره بنور عمله ( وسكنا لطول وحشتكم ) . المراد بالسكن هنا ما تطمئن به النفس ، وتأنس به ، قال تعالى : * ( « وَمِنْ آياتِه ِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها ) * - 21 الروم » وكذلك طاعة اللَّه تؤنس الميت في لحده . ( ونفسا لكرب مواطنكم ) . نفسا - بفتح الفاء - وهو التيسير والتسهيل ، والمعنى ان طاعة اللَّه سبحانه تسهل وتمهد للنجاة والأمان ( فإن طاعة اللَّه حرز إلخ ) . . من المهالك ( ومن أخذ بالتقوى عزبت عنه إلخ ) . . النقمة ، ونزلت عليه الرحمة ( فاتقوا اللَّه الذي إلخ ) . . هداكم سبيل الرشاد ، وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة ( فعبّدوا أنفسكم ) . عبّد الطريق : مهّده ويسّره للسير ، وعبّد النفس : ذللها وجعلها سلسلة القياد ( لعبادته ) المخلص يعبد اللَّه بلا تأفف وتبرم ، على عكس المنافقين الذين إذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى .